محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي ( ابن الأبار )
126
إعتاب الكُتّاب
يكون لسانه كلسان أمته أو عبده فلا يزال الدهر أسير كلمته ! . ويروى أنه كان يتفقد ما يكتب به الكتّاب ، فيسقط من لحن ، ويحط مقدار من أتى بما غيره أجود منه في العربية ؛ وكان يقول : إيّاكم والشونيز « 1 » في كتبكم ؛ يعني النقط والإعجام . وقال محمد بن عبد اللّه ابن طاهر ، وقد رفعت إليه قصة أكثر صاحبها إعجامها : ما أحسن ما كتب إلا أنه أكثر شونيزها ! وكان سعيد بن حميد يقول : لأن يشكل الحرف على القارئ أحبّ إليّ من أن يعاب الكاتب بالشكل ، فإذا كرهوا الإعجام والشكل فما ظنّك باللحن ! إلا أن ترك ذلك قد يورث إشكالا . حكى الماوردي « 2 » عن قدامة بن جعفر أن بعض كتاب الدواوين حاسب عاملا لعبيد « 3 » اللّه بن سليمان بن وهب ، فشكا منه إلى عبيد اللّه ، وكتب رقعة يحتج فيها بصحة دعواه ووضوح شكواه ، فوقّع فيها عبيد اللّه : « هدا هدا » فأخذها العامل وظن أن عبيد اللّه أراد : « هذا هذا » إثباتا لصحة دعواه ، كما يقال في إثبات الشيء : « هو هو » فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان ، وأراه خط أبي عبد اللّه وقال : « إنه صدّق قولي وصحّح ما ذكرت ! فخفي على الكاتب ذلك ، وطيف به على كتّاب الدواوين ، فلم
--> ( 1 ) - الشونيز في الأصل : الحبة السوداء ، انظر أخبارا متفرقة عن كره العرب للنقط والإعجام في الكتابة : العقد : 4 / 258 وما بعدها ( 2 ) - ليس الخبر في الأحكام السلطانية ، والصولي يرويه بشكل آخر : انظر أدب الكتاب : 59 ( 3 ) - في ( ق ) و ( ر ) عبد ، والصحيح ما ذكرناه وهو عبيد اللّه بن سليمان بن وهب الحارثي ( 226 - 288 ه ) وزير من أكابر الكتاب ، استوزره المعتمد والمعتضد ، وأبوه وزير وابنه وزير . الأعلام : 4 / 349